ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

238

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

الكتاب لا ابن أبي كبشة الشعري » والمراد بذلك أن ابن كبشة « 1 » كان رجلا في الجاهلية يعبد الشّعرى فخالف بذلك دين قومه ، ولما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالت قريش : هذا قد خالف ديننا ، وسموه « ابن أبي كبشة » أي أنه قد خالفنا كما خالف أبو كبشة قومه في عبادة الشعرى ، فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابي هذا فجاء كما تراه مبتدعا غريبا . ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان بالشام ، وهو : طلعت من الغرب شمس فقيل : قد آذنت أشارط الساعة بالاقتراب ، ولم يعلم أن تلك الأنوار إنما هي أنوار الكتاب ، لم تألف الأبصار من قبله أن تطلع الشمس من المغرب ، وليس ذلك إلا كتاب المجلس لا سلبه اللّه مزية هذا الوصف الكريم ، وأتاه من الفضل ما يقال معه وفوق كلّ ذي علم عليم ، وأحيا النفوس من كلمها بروح كلمه كما شفي غليلها من أقلامه بسقيا الكليم ، ولما ورد عن الخادم صار ليله نهارا ، وأصبح الناس في الحديث به أطوارا ، والمنصف منهم يقول : قد جرت الشمس إلى مستقرّها والشمس لا تجد قرارا . وهذا الكتاب في الحسن والغرابة كالذي قبله . ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان ، وهو : تأوّب زور من جانب المجلس السامي أدنى اللّه داره ، وجعل كلماته التامة جاره ، وأشهد أفعال التقوى ليله وأفعال المكارم نهاره ، ووهبه من أعوام العمر طواله ومن أعوام العيش قصاره ، ولا أقدر السابقين إلى المعالي أن يجروا معه ولا أن يشقوا غباره ، وليس ذلك الزّور إلا سطورا في قرطاس ، ولا فرق بين الكتاب وبين مرسله في ملاطفة الإيناس ، واللّه لا يصغر ممشى هذا الزائر ، ويقر عيني برؤيته حتى لا أزال به قرير الناظر ، ومع هذا فإني عاتب لتأخره وهاهنا مظنة العتاب ، ومن تأخر عنه كتاب صديقه فلا بدّ أن يخطر له خاطر الارتياب ، والضّنين بالمودّة « 2 » لا يرى إلا ظنينا ، وقد قيل إنها وديعة وقليلا ما تجد على الودائع أمينا .

--> ( 1 ) كذا ، والصواب « أن أبا كبشة » على ما يأتي . ( 2 ) في ا ، ب ، ج « والظنين بالمودة » .